Web Maker

مقابلة أدبية

ارجو الاطلاع على المقابلة الصحفية

في البداية نتساءل عن تجربة الشاعر الدكتور علي الشعرية، كيف جاءت، وهل هناك ثمة شعراء أثروا في مسيرتكم الشعرية؟  

"تجربتي بسيطة بدأت أيام الصبا بالقراءة الأدبية التلقائية والثقافة الشعرية العفوية، لا أتذكر أني رأيت قصة إلا والتهمتها، أو رأيت قصيدة إلا ونهلت من شذرات نظمها وتفاصيل بنيتها وسبب إنشاءها. لم يكن في تصوري أن أصبح أديباً أو شاعراً بل على العكس من ذلك كانت جميع مؤشرات اتجاهاتي علميةً رياضيةً صرفة، غير أن في الأدب والشعر ما يأسرني ويستهويني، وقد تصاعد على ما يبدو هذا الإعجاب حتى وصل درجة التقمص فقلدت قصيدة لإبراهيم طوقان ثم تلمست طريقي بتشجيع من أستاذ اللغة العربية ؛ والحقيقة أنني اطلعت على المعلقات السبع والأدب والشعر الإسلامي والأندلسي وأدب المقامات والأدب والشعر العربي الحديث خاصة شعر شوقي وحافظ والأخطل الصغير والعريض والطائي وأدب المنفلوطي وطه حسين والعقاد بالإضافة إلى أدب شكسبير والروائيين العالميين أمثال تولستوي وهوجو."
نتساءل حول وجهة نظرك تجاه التجربة الشعرية عربياً وتجاه الوضع العربي باعتباره راهناً مجتمعياً يؤثر –تماس أو تقاطع مع-الراهن الإبداعي والشعرية العربية من خلال تجربتك الخاصة؟
 "في اعتقادي أن الشاعر مرآة مجتمعه، والراهن الاجتماعي حسبما تفضلتم لا بد وأن يتقاطع أو يتوازى بالراهن الإبداعي، ويتأتى هذا من وجهة نظري بالتفاعل بين الشاعر العربي ومجتمعه. ولقد عالجت في مقال نشر بدورية المنتدى الأدبي هذا الموضوع حيث استعرضت صنوف هذا التفاعل ومعيقاته فكان مدار الحديث حول مدى الحضور الأدبي في المجتمع ومدى التكامل والانتشار الأدبي داخله ومدى بروز حالات الاعتزال والفوقية والركود. ومجمل القول إن الإبداع في مجال الشعر وثيق الصلة بالحالة الراهنة للمجتمع العربي ولا يمكنه الانفصال عنها بأي حال من الأحوال."   
هل يمكن أن تشير أزمة التلقي أيضاً إلى أزمة في النقد ودور الناقد في قراءة النص الشعري الحديث؟
 "أزمة النقد … أزمة لا أعتقد أننا نستطيع أن ننتهي منها إلا بتأهيل الكوادر القادرة على قراءة النصوص الشعرية وتحليلها بصورة موضوعية ودقيقة، فكما تعرفون أن النقد الأدبي علم وفن له شروطه وأسسه وليس لأي حاطب ليل أن يقول برأيه فيه، وإلا أصبح الميدان الشعري مثقلاً بالفوضى. وفي تصوري ينبغي أن نوجد مدرسة علمية للنقد تحكم بالموضوعية وليس بالرأي، وكما أشرتم فالناقد المتلقي ليس كالناقد المتخصص إذ قد لا يكون الأول ملماً بأصول هذا الفن فيكون ممن يسيئون وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، بينما يكون نقد الثاني بنّاء متقناً ومبنياُ على الفهم الموضوعي للنقد."
4-الشاعر في التجربة الشعرية الحديثة معرض لاتهامات عديدة ناتجة عن عدم تفهمه من قبل المؤسسة والجمهور … وربما من رواد الأدب المغاير لتجربته الخاصة … ما رأيكم؟
"تنطبق هذه الجملة على كل عصر، فحركة التجديد مستمرة ما استمرت الحياة والتخوف من الجديد أمر مألوف في المجتمعات البشرية على مر الزمن، وفي رأيي أن المتغيرات التكنولوجية الحديثة مثلاً لا تستطيع أن تغير من ثوابت المجتمع ما دامت درجة الالتزام بتلك الثوابت عالية. ولا تختلف التجربة الشعرية الحديثة عن أي من تطبيقات تكنولوجيا المعلومات المحيطة بنا فهي بحر من اللغات والثقافات والأفكار، وعالم اليوم الذي نتكلم فيه عن امتدادات العولمة والتغريب والغزو الثقافي يلزمنا بالتعامل مع الواقع وليس المصطلحات. إذن المطلوب هو التفاعل وعدم الانكفاء على الذات فالثقافة واللغة العربية تملك في صلبها زخماً هائلاً من القدرة على الغربلة والانتقاء."
ربما كانت هناك عدة قضايا مطروحة عربياً تختص بمسائل عديدة أهمها الرقابة الصارمة على الإبداع المتمثلة في المصادرة – وعلى المتلقي – في تغيب الجمهور وإفساد أو تغيير الذائقة الأدبية؟
 "ينبغي النظر بتفاؤل إلى الواقع والمستقبل، ولا شك أن جهود جادة ومخلصة تبذل للخروج بالهم الإبداعي من وعكته، وأقول وعكة لأن الإبداع لا يبدو بهذه الصورة الكئيبة التي نحاول وصفه بها. إننا نتلفت في البلاد العربية كلها فنجد أسماء المبدعين ونجد إبداعاتهم وعندما نسمع بأسماء الخليلي والعريض والرحبي والعسكر والصباح والفيصل والبردوني والمقالح وقباني وشمس الدين وأدونيس والسياب والجواهري ودرويش وطوقان وحجازي ودنقل والشابي والفيتوري وغيرهم كثير، عندما نسمع بتلك الأسماء تتراقص أمام أعيننا مساحة الإبداع العربي وعظمته. أما الشق الثاني من القضية وهو ذائقة الجمهور الأدبية فهي مشكلة أزلية فلا شك أن نزول الأديب لقطاع عريض من الجمهور يكلفه تنزلاً حتمياً في الجودة ومع عدم قدرة أغلب الناس الصعود إلى مستوى الشاعر أو الأديب تبقى القضية قائمة وتحتاج إلى دراسة."      
تعليقكم حول الاجتهادات الأخيرة التي ظهرت في مجال الشعر في السلطنة، المتمثل في إقامة مهرجان الشعر العربي، وملتقى الشعر الأول؟
 "لقد كان تطوير الإنسان العماني وما يزال الهدف الأول للنهضة المباركة التي يقودها بعزم واقتدار مولانا حضرة صاحب الجلالة يحفظه الله، ولا شك أن إقامة مهرجان الشعر العماني على وجه الخصوص قد أعطى دفعة قوية في هذا الاتجاه. فالشاعر العماني يحتاج التعزيز والتوجيه والاحتضان والساحة الشعرية العمانية تحتاج هي الأخرى إلى التحريك والرعاية وقد وفر هذا المهرجان للشعر والشاعر العماني مجالاً أوسع من الانتشار والتواصل والتفاعل والحضور وهو أمر مطلوب لنجاحهما على مستويات أوسع عربياً وعالمياً. وقد وفر ملتقى الشعر الأول -بالإضافة إلى جهود المنتدى الأدبي -جواً من التفاعل بين الشعر العماني والعربي، وفي تصوري أن الشعر والشعراء العمانيين في حاجة لمزيد من هذه المناشط والفعاليات."
أتساءل هنا عن المرجعية التوثيقية للحركة الشعرية الحديثة … عما يشكل ركائز أساسية لهذه الحركة ويجسد مرجعية للناقد تمكنه من طرح التجارب الحديثة اتكاء على تراث جديد للقصيدة الجديدة؟ 
"للتجديد في الحركة الشعرية امتداداته داخل التراث الشعري العربي والعالمي وهذا دليل تفاعل صحي متواصل، والتجديد ينبغي أولاً أن يكون ذو منطلقات بيئية ونستطيع أن نوثقه عربياً بصورة جلية في الأندلسيات، فلم تكن الموشحات تمرداً على العرف والتقليد الشعري وإنما تكييفاً لأدوات العصر اللغوية وتطويراً لاستخداماتها وأساليبها ضمن النمط التأصيلي لها. ولا شك أن للتجديد بعداً آخر هو البعد العالمي وهو يقوم على التفاعل مع تجربة الآخر ورؤيته والتعاطي الإيجابي مع ما في تلك التجربة من مضامين منهجية صالحة للتبني والتكييف. على أن الامتداد الحقيقي للتجديد في الحركة الشعرية العربية ما زالت بيئية في الدرجة الأولى فهناك متغيرات منها الأدوات اللغوية الحديثة والاجتهادات في بنية القصيدة وإشكالية الذائقة الشعرية وكلها أمور تستلهم البيئة وعلى الشعراء والنقاد إعادة ترتيب وتوثيق مرجعيتهم بما يتلاءم وهذه المتغيرات." 
النص الحديث –أو على الأقل بعض نماذجه-متهم بالتوجه نحو التغريب بعيداً عن عربية النص … ما رأيكم؟
 "لا أجد هذا الرأي خاطئاً تماماً، وعلى شعرائنا من أصحاب هذه النماذج تمحيص الغث من السمين، وأدعو هنا لحركة تنظير ناقدة تستطيع أن ترفع من مستوى وعي الأدباء لما قد يقعون فيه من شراك ثقافية بحسن نية."
 دعني أتساءل عن تجربة د. علي الموسوي حول تجربته الشعرية "استغراقات" وحول هاجس الإبداع والتلقي، ما الذي يمكن أن تشكله هذه التجربة في هذا الإطار؟
 "الاستغراقات وليدة سنين عجاف من الغربة والاستبصار الذاتي وسنين أخرى سمان مليئة بدفء اللقاء ورحابة الوطن، وهي في تقديري نتاج لمعاناة كبيرة. وأنا أزعم أن هاجس الإبداع كان مطلق العنان فيها، كما لم ألحظ عناء في التلقي فكل كلمة في الاستغراقات مغموسة بنبض الإنسان البسيط وآهاته وحنينه وهي انعكاس لما يحمله هذا الإنسان من مشاعر صاخبة تجاه حالاته وأدواره في الوطن والعشق والحياة والموت."  
تركزت تجربتكم الشعرية بين القصيدة العمودية والحديثة … أين يجد د. علي الموسوي نفسه بين هذه التجارب؟
 "لعلني لا أجد أفضل من اعتدالية النظرة رداً لسؤالكم هذا: فخير الأمور الوسط، وما دام لا ضرر في القصيدة الحديثة –حسبما تسمونها-فلنطرقها فهي بلا شك أحد وسائل التعبير التي يفهمها إنسان العصر، وما دام ليس في ذلك على القصيدة العمودية من ضرار فلنكن السباقين لنظمها هي الأخرى. على أنني لا أجد فرقاً كبيراً بين الاثنتين إذا تقيد الشاعر بأطر معينة وألزم نفسه بها." 
ما هو تقييمكم للتجربة الشعرية في الخليج بشكل عام، والسلطنة بشكل خاص؟ 
"الشعر في دول الخليج ضارب في جذور التاريخ ولسنا نبالغ إذا قلنا إنه تأسس في هذه المنطقة الخيرة ولولا عكاظ وصحار وأمثالهما من أسواق العرب الخليجية في الجاهلية والإسـلام لما تطور الشعر العربي، ونحن اليوم نشهد حركة شعرية متجددة في بلدان الخليج. والسلطنة ليست استثناء من هذه الظاهرة فهي أنجبت وما زالت تنجب من فطاحل الشعراء ومجدديهم، كما أن الشاعرة العمانية تشارك أخاها الشاعر العماني في التشييد والتجديد؛ ولشعراء السلطنة أن يفخروا بأن ما حققوه في سنين قليلة يربو على ما حققه سواهم في عشرات السنين، والواقع أن الزخم التربوي والحضاري والثقافي الذي هيأته النهضة المباركة ساعد في التشكيل المتقن للحركة الشعرية بصورتها الحديثة في السلطنة."
كلمة أخيرة …
 "لربما يكون لزاماً علينا أن نغتنم فرصة اللقاء بكم، ونحن نعيش عام القطاع الخاص في السلطنة، لنؤكد دور هذا القطاع في إمكانية تدشين مشاريع ثقافية تكون ذات عوائد اقتصادية مربحة كإقامة الأسابيع الثقافية والمنتديات الشعرية والمهرجانات ذات البعد التراثي والتاريخي والفني داخل وخارج البلاد وذلك بدعم من الدولة والأدباء والمفكرين العمانيين ويحتــاج تفعيل دور القطاع الخاص في هذه المجالات إلى دراسة متأنية."

FOLLOW US